الأكثر قراءةهذا الأسبوع
آخر تعديل: الثلاثاء 18 / يونيو 19:01

في ذكرى الأربعين لرحيل القاضي سليم جبران رحمه الله

قيس يوسف ناصر
نُشر: 16/05/24 07:24

في ذكرى الأربعين لرحيل القاضي سليم جبران رحمه الله- القاضي سليم جبران من رفعه الله بتواضعه!

المحامي د. قيس يوسف ناصر

عرفت سعادة القاضي المرحوم سليم جبران منذ بداية طريقي في مجال الحقوق قبل نحو عشرين عامًا طالبًا للدرجة الأولى في الحقوق في الجامعة العبرية في القدس، وقد تشرفت بعدها أن أمتثل وأرافع أمامه في المحكمة العليا. كما كنت ألقاه في مناسبات متنوّعة وفي كل مرّة كان الحديث معه، رغم قصره، شائقًا وممتعًا وغنيًّا. وفي نظري، مثّل ــ رحمات الله عليه ـــ بسلوكه ونهج حياته، داخل المحكمة وخارجها، تلك القيم الإنسانية الرفيعة التي كتب هو عنها في قراراته على نحو ما كان يمثلها في شخصيته ويطبّقها دائمًا.

لقد آمن القاضي سليم جبران بالمساواة بين المواطنين كوسيلة للتقارب والوحدة بين فئات المجتمع كافّةً، وحاول أن يعزّز هذه القيم بقراراته كقاضٍ، كذلك من خلال الأطر الاجتماعيّة الكثيرة التي شارك فيها من أجل تحقيق الديموقراطية والمساواة. وقد يكون من أبلغ ما يعبّر عن ثوابته ما قاله كرئيس للجنة الانتخابات المركزيّة عشيّة الانتخابات للكنيست العشرين: "إن تصويت أوهاد من رشون لتسيون يساوي صوتًا واحدًا، تماما كما تصويت حنّة من بني براك، خالد من كفرقاسم، والعاد من بئر السبع، وأنا- سليم من حيفا".

  أحبّ القاضي سليم جبران اللغة العربيّة وآدابها الرائعة، وقد أكّد مكانتها في قراراته كلغة رسميّة في البلاد، لكنّه لم يفعل ذلك كأمر قضائيّ فحسب، بل فعل ذلك من قبيل إيمانه أيضّا أنّ لغة أي شعب هي السبيل إلى معرفة ثقافته وتاريخه، لهذا فإنّ نشر اللّغة العربيّة في الحيز العام وبمنشورات الدولة الرسميّة خاصّةً لهو وسيلةٌ أخرى للتقريب ما بين العرب واليهود في البلاد، ولجسر الهوّة الثقافية والاجتماعية بينهم. 

  ورغم تقلّده مناصب رفيعة عدّة، ومنها تعيينه أوّلَ قاضٍ عربيّ ثابتٍ في المحكمة العليا، وأوّلَ قاضٍ عربيّ يرأس لجنة الانتخابات المركزيّة، لم يتعالَ القاضي سليم جبران على الآخرين، ولم يحجب نفسه يومًا عن الناس بهالة من الزهو والافتخار. تعامل القاضي سليم جبران بتواضع واحترام كبيرين مع المحامين والمتقاضين عنده من كلّ الأطراف، ومتّصفًا في ذلك كلّه دائمًا بخطاب سلاميّ ومهنيٍّ متّزن وإنسانيّ. هكذا تصرّف أيضًا خارج دار المحكمة إذ لم يسعَ يومًا كي يحظى بمعاملة خاصّة أو تفضيلٍ ما لكونه قاضيًا، بل حرص دائمًا أن يعامله الناس كما يُعامل أي فرد آخر بينهم. لقد تصرف كقاضٍ يعيش وسط شعبه لا كمن يعيش في برج عاجيّ شاهق بعيد المنال عن الناس وعن أبناء مجتمعه. ولم تمسّ المرتبةُ الرفيعة التي حظي بها القاضي سليم جبران باستحقاق وجدارة رؤيتَهُ للحياة والانسان، ولم تغيّر لديه من القيم التي سلكها طوال حياته، بل واصل التعامل مع الآخرين باحترام ومساواة والأهمّ من كل ذلك تواضعه اللّافت.

وهنا استذكر حين كنت طالبًا للّقب الأول في الجامعة العبرية عام 2004 أني تواصلت مع سعادته لترتيب لقاء في المحكمة العليا يجمعه بالطلاب العرب من كلّيّة الحقوق في الجامعة، كي يرشدهم وينير طريقهم في مضمار القانون والقضاء وسبله الكثيرة. وللوقت وافق القاضي سليم جبران على طلبي بفرح عظيم دون تردّد. لقد كان اللقاء معه يومئذ مميّزًا وممتعًا. أذكر أنّنا جئنا اليه طلابًا في ميعة صبانا ونكاد نكون في أعمار أحفاده، وقد خاطبناه بارتياب ووجل نظرًا لموقعه الرفيع، لكنّه خاطبنا كأب وكجدٍ، وعاملنا باحترام ومحبّة ورفق وحنان! لم يبخل علينا بالنصائح والارشادات الثمينة لنخرج من ذلك اللقاء الممتع وقد تلقّفنا منه فعلًا لا قولًا تلك القيمةَ النفيسة الكبرى في هذه الحياة وهي التواضع وأنّ رفعة المرء بتواضعه لا بعلو منصبه! بهذا الخلق الرفيع والسامي جسّد القاضي سليم جبران قول السيد المسيح له المجد "من يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع" (متى 12: 23). هكذا سنذكره دائمًا. فليكن ذكره مؤبّداً.

مقالات متعلقة