الأكثر قراءةهذا الأسبوع
آخر تعديل: الثلاثاء 18 / يونيو 17:01

خُدعة الساحرة

ناجي ظاهر
نُشر: 27/05/24 11:52

اسف غاليتي .. غالية.. لن اتمكن من زيارتك، ليس لأنني لا اريد تلبية دعوتك، فانت تعرفين ان قدمي حفيتا من كثرة ما داستا على دروبك الصعبة، الموصلة إلى مغارتك السحرية. انني الان اتذكر تلك المشاوير التي امضيتها وانا اسعى الى مغارتك لاطمئن على انك ما زلت هناك. كنت حينها ارى الضوء الخافت ينبعث منها حاملًا الف سر وسر، فيطمئن قلبي وأعود من حيث اتيت راضيًا مرضيًا بنعمة الاياب. ايام، شهور وسنين وانا اسلك تلك الدرب، كانت تلك فترة كافية لان اعرف كل زاوية وركن واكاد اقول ذرة تراب هناك.

لا انكر انني منذ وقعت عيناي على قدك المليان الملظلظ، وعلى قبعتك الواسعة سعة الغابة المحيطة بمغارتك، وانا اشعر بانجذاب رهيب نحوك. كان ذاك شعور من الصعب عليّ استعادته الآن وقد مرت عليه سنوات وسنوات تسببت في تحول كل شيء، ودفعت جحافل الشيب لأن تغزو رأسينا. كما دفعت الزمن الى ان يوهن اقدامنا فتخف حركتنا وتثقل مشيتنا. انني الآن وانا استذكر تلك البدايات الاولى لجنوني بك وجريي وراءك، من زاوية إلى زاوية ومن ركن من اركان مدينتنا إلى آخر، اتذكر البداية البيضاء الناصعة بيننا. يومها لم اكن ارى. وربما لم اشأ ان ارى، لثقة وطول نفسي فُطرت عليهما. ما زلت اتذكر حين ارسلت نظري في ارجاء مدينتي ممرّرًا اياه عبر الازقة والحارات.. الشوارع.. القناطر . الأدراج والازقة، لأراك هناك واقفة وقفة طائرٍ خرافي خرج من الف ليلة وليلة ليحط في ذلك الركن من قلب مدينتي. يومها اقتربت منك، دنوت حد الملامسة.. ارسلت نظرة متعمقة في عينيك، فما كان منك إلا أن غضضت الطرف وارسلت موجةً من الحياء العربي المتوارث. يومها شعرت انك تقبلتني وان رسالتي الغرامية الاولى وصلت اليك. وما زلت اتذكر كيف ان كلًا منا، انت وانا، امسك بيد الآخر دون ان يمسكها، وانطلقنا في بلدتنا القديمة كأنما نحن نريد ان نطمئن على كل ما ضمته من حنان وحنو لنا ولكل ما هو جميل فيها.

ذلك اللقاء تكرر مرة ومرة اخرى اضافية، وقد بقي الامر بيننا يسير على ذلك النحو إلى أن تأكدت من أن أحدنا سيكون للآخر، فكان لا بد من ان اخبرك بجلية مشاعري نحوك، "انني أفكر فيك ليل نهار". قلت لك فرددت، "لكنني لا افكر. انني اعتبرك اخا وصديقا لا اكثر". "لماذا لا تفكرين بي؟"، عدت اسالك، فما كان منك إلا أن اقترحت ان نؤجل الحديث. لقد تركت يومها بابَ الامل مواربًا، كي يدخل الهواء النقي او شيء منه إلى رئتي المتيمتين بك.. القصيتين عنك. . وتواصلت لقاءاتُنا إلى أن عرف كل منا الآخر كل المعرفة. أنت عرفت عني انني من قرية مهجرة واحلم بالعودة اليها برفقة ست الحسن والدلال، وانا عرفت انك سر عميق بعيد الغور ويحتاج إلى ساحر من عالم اخر ليسبر اغواره ويعرف اسراره.

مضى حالي معك على هذا النحو إلى أن جئتني ذات ظهيرة تسألينني ما إذا كنت اعرف سبع البُرمبا. يومها ومض في خاطري انه من اولئك الناس المليئين جسمًا الفارغين عقلًا، إلا انني تجاهلت ما ومض..، وانطلقت وراءك حالمًا بان تكتشفي مدى معزتي لك.. ذات يوم.. فتدركين انه لا يوجد في غابتنا رجل يستأهلك مثلما استأهلك.. وانني انا الاكثر جدارة بك. قلت لي يومها ما رأيك ان نزوره في بيته. اريده ان يحضر إلى مغارتي، أريده ان يتجول في انحائها لتراه كل جميلات البلدة وليأتين بعدها واحدة تلو الاخرى ليرين جماله اليوسفي، ولتبدأ حفلتنا الابدية. استجبت لك يومها وسرت وراءك كما يسير الخروف الغض الطري إلى مسلخه ليلقى هناك حتفه.. بسكين حمله اياه ذابحه العزيز. عندما دخلنا بيت ذلك اللي ما يتسمى، تركتني ونسيت انني رافقتك إلى هناك، واندمجت مع صاحب البيت في حديث شخصي. يومها ابتعدت عنكما في محاولة مني لإتاحة الوقت لك لأن تفرحي وتسري بتنفيذ مأربك. وعندما انتهت تلك الزيارة.. عدنا معا نذرع شوارع مدينتنا وغابتها الكثيفة متشابكة الاشجار. يومها عدتِ لإشعاري بقربك مني. مجددًا.. فانتشيت.

بعد ايام دعوتني إلى سهرة خاصة، فما كان مني ألا ان لبيت دعوتك تلك وهل تعتقدين ان عاشقًا مغرمًا يمكن ان يتردّد في تلبية دعوة من اختارها قلبه ومن رأى الشمس في كفها؟. شققت يومها قلب الليل عابرًا من ظلام إلى ظلام حتى وصلت الى مغارتك. دخلتها محنيًا راسي احترامًا ومحبة.. حلمًا واملًا. لأراك هناك تفترشين سجادك العربي متكئة على طنافسك المتوارثة جيلًا بعد جيل.. ورأيت إلى جانبك زق النبيذ وكاسه. كان كل شيء يرسل نظرته الداعية نحوي، وعندما رأيتك ترسلين نظراتك إلى باب مغارتك الرئيسي اعتقدت انك خائفة من طارق طارئ غريب... وما ان اقتربت منك لأطمئنك حتى كانت المفاجأة الرهيبة بانتظاري. توقفت في مكاني متجمدًا. رايته هو سبع البرمبا يدخل إلى مغارتك بخطى ثابتة ويتخذ مجلسه جنبًا إلى جنب على سجادتك وبين طنافسك. لم أكن أنا المدعو اذن.. يا ويلي ماذا حلّ بي، وفي اي منزلق ابديّ انزلقت. الموقف كان صعبًا لذا حاولت ان اتماسك وأن أجمد استمرارًا لمحاولاتي السابقة وغرس بذور الامل في نفسينا. اتخذت مجلسي قريبًا منكما. يومها طلبت مني ان اسكب لكما النبيذ في كاسيكما ففعلت ارضاء لك وثقة بنفسي، ولم اسكب النبيذ لي لأنه لم يكن هناك سوى كأسين. عندها ادركت جانبًا مما يحدث، ولم افهمه كاملًا إلا عندما رفعت كاسك طالبة منه.. من ذلك الذي عرّفتك عليه.. بطلب منك، ونظرت نحوي متجاهلة اياي، وكأنما انا لم اكن موجودًا. يومها تجمّدت مكاني. كما كان يحدث في احلامي ايام كنت صغيرًا، فأحاول الهرب من رتل السيارات.. إلا انني اتجمد في مكاني.. فأفيق من كابوسي خائفًا وجلًا. بقيت متجمدًا في مكاني إلى أن رأيتك تدنين فمك من فمه.. عندها كان لا بد من ان اغمض عيني.. وانهار.

بعدها لا اعرف ماذا حدث.. وافقت على يدك تلامس وجهي. وسمعتُك تطلبين مني أن استفيق.. فأفقت. افقت لادرك أنني كنت في واد وأنك انت في واد آخر بعيد جدًا عنه. يومها لم اعرف ما إذا كان ما حدث حقيقة ام كابوسًا. وعدنا نمضي معًا.. لاكتشف انني انما كنت في تلك الليلة المشؤومة طُعمًا لقصة ستسجل نهايتي.

بعدها مثلما ينتهي كل لقاء غير متكافئ في بلدتنا الجاحدة هذه، انتهى لقاؤك به واقفلت حفلتك الابدية ابوابها على انفجار مدوّ، فعدت بحنكة ساحرة مدربة محنكة.. الى لعبتك القديمة.. وكأنما شيئًا لم يحدث.. إلا انني كنت قد كبرت وتغيرت.. وها انت ذي بعد العشرات من السنين توجهين إلي دعوتك الاخيرة هذه. لا يا غاليتي.. الغالية.. أنا لن اعود إليك، فمن ذبحوا قلبه الصادق الامين في مكان ما لا يعود اليه.. مثلما تفعل المجرمة القاتلة.

مقالات متعلقة