الأكثر قراءةهذا الأسبوع
آخر تعديل: الثلاثاء 28 / مايو 22:01

في ذكرى الأربعين لرحيل القاضي سليم جبران – القاضي الذي علا صوته لأجل المساواة وكرامة الإنسان

محمد وتد
نُشر: 11/05/24 08:18

شقّ القاضي جبران بيديه وبعرق جبينه الطريق الذي سار فيه، ويمضي فيه كثيرون سواه اليوم – من أجل مستقبل أفضل للمجتمع الإسرائيلي عمومًا والمجتمع العربي خصوصًا. كان القاضي مثالا للخير والجمال في الإنسان، وعُرف بمساندته للقيم الأساسية في الفكر الديمقراطي التحرّري، ولقيم الاستقامة والإنصاف، والنقاء، والصبر، والتسامح.

ببالغ الحزن والأسى أودّع هذه الأيام أستاذي وملهمي، وصديقي ورفيقي منذ نحو 25 عامًا القاضي سليم جبران، نائب رئيس المحكمة العليا المتقاعد – أبو أسعد كما كان يحب أن يلقب.

لقد أدركت مليًّا أن الخبر المرير آتٍ، رغم أني تمنّيت ألا يأتِ، ففي محادثتي الأخيرة معه، قبل أن يسلم الروح إلى بارئها بيومين، بدا كمن يتّصل ليودّع؛ كان صوته خافتًا، ورغم ذلك، وكما اعتاد، سألته في نهاية الحديث عن سلامته، فأجابني باسمًا: "إن شاء الله خيرًا، الوضع بتحسن". كلماته الأخيرة في أذني تُميّز سيرة حياته: إنسانًا مبتسم المحيّا، بشوش الوجه على الدوام، متفائلًا، عفويًا، بهيّ الطلعة، أنيق المظهر، سامي الأخلاق، محبًّا ومحترمًا، كريمًا، سخيًّا بلا حدود.

نظرًا لقراراته القضائية الشاملة – لا سيّما، في المحكمة العليا – يمكن الإشارة إلى مدى روعة العمل القانوني في مفهوم القاضي جبران. وما من سبيل في هذا المجال لاستنفاد كامل النواحي القانونية التي عمل وتعامل فيها. إذ قد نجد بعض الفروق الدقيقة المهمّة في أحكامه، والمتعلقة بالقانون الدستوري، والقانون الإداري، وقوانين العمل، والقانون الجنائي، والقانون المدني، وقانون الأسرة، وغيرها.

وكان يضع نصب عينيه النزاهة المهنية، والالتزام بالقيم التحرّرية، وفي مقدّمتها كرامة الإنسان كإنسان، والحقّ في المساواة. لقد آمن بقرارة نفسه بضرورة التربية للمساواة، كقيمة مستقلّة قائمة بذاتها، وكنهج حياة، من أجل بناء مجتمع أفضل. ويرى أن الحقّ في المساواة بالتعليم هو حقٌّ مبدئيّ وشرط أساسيّ لتحقيق الذات لكلّ فرد حسب احتياجاته.

وعندما توجّب منه أداء الاحترام، أظهره بكامل الهيبة والوقار، وتمسّك بأهمّ معانيه. ولم يكن لدى القاضي جبران أدنى شكّ في أن الحقّ في الكرامة يشمل الحقّ في الحدّ الأدنى من العيش الكريم. ووفقًا له، فإن المرء لا يمكنه ممارسة حرّيته دون توفير الحدّ الأدنى من الظروف المعيشية، ولا يستطيع أن يحقّق معيشته دون حياة مستقلّة وكاملة لكي يصبح جزءًا نشطًا وفعّالًا في مجتمعه.

كما تتَّسم قرارات القاضي جبران بشجاعةٍ قضائيةٍ وفكريةٍ بارزة. ولم يتردَّد قط بإبداء رأيه، حتى لو كان في موقف الأقلية، أو حتى صاحب رأي فردي.

إلى جانب كونه قاضيًا محترفًا ورجل قانون متميزًا، كان القاضي جبران شخصًا لبقًا. وتجلّى لطف أخلاقه ليس فقط في حياته اليومية، بل في أحكامه، بما في ذلك الطريقة التي أدار بها المناقشات. وسيشهد على ذلك كل من مثُل أمامه – وأنا منهم – وكذلك كل من جلس إلى جانبه على كرسي القضاء، وحتى أطراف الخلاف الذين وجدوا أنفسهم في ظروف عديدة، يحظون بمعاملة شخصية وباحترام أولئك الذين يرتدون عباءة القضاء. وبفضل شخصيته المهنية والملتزمة واللطيفة، كان مبادرًا قانونيًا واجتماعيًا، ورائدًا فعليًا، ومحطّمًا للتقاليد والأعراف الهشّة – وثمة من يقول، بل حطم سلاسلها الفولاذية.

إلى جانب عمله المهني، كان للقاضي جبران ناشطًا في المجالات العامّة والاجتماعية المتنوعة، من ضمنها رئاسة جمعية القانون العام في إسرائيل، وعضوية مجلس أمناء جامعة حيفا، والكلية الأكاديمية في صفد. ورئاسة "صندوق تسيلتنر" للأبحاث القانونية، ورئاسة للجنة الشعبية للصحة العامة، وعضوية مجلس إدارة المستشفى الفرنسي في الناصرة (سان فنسن دي بول)، ورئاسة المجلس التنفيذي لجمعية "كاف مشفي" جمعية – الريادة في التشغيل، ورئاسة اللجنة الاستشارية لدراسة الاقتصاد في المجتمع العربي، في معهد أهارون في جامعة رايخمان.

إضافة إلى ذلك، كان أول عميد عربي للروتاري في إسرائيل. ومنذ ذلك الحين، وحتى يوم وفاته، كان – وسيظل – الشخصية القيادية في الروتاري الإسرائيلي، كونه رجلاً ملتزمًا بالإيثار الاجتماعي. وأنا شخصيًا انضممت إلى الروتاري تقديرًا وإعجابًا بشخصه. فقد تعرفت على الروتاري عندما بلغت 13 عامًا، عندما كنت فتى مراهقًا أرافق والدي، المحامي، إلى قاعات المحاكم – بضمنها المحكمة المركزية في حيفا، والتي كان مقرّها آنذاك في شارع حسن شكري 12. وكان يجلس القاضي جبران إلى يسار بوابة الدخول، في قاعة صغيرة نسبيًا للمحكمة. وفي إحدى المناقشات التي حضرتها، لفت نظري دبّوس مذهّب مثبت على طية صدر السترة من البدلة التي كان يرتديها تحت عباءته. وعندما سألت والدي عن هذا الدبّوس، سارع بالإجابة، "إنه عميد روتاري إسرائيل". لاحقًا، ختمت الدائرة بالنسبة لي عندما حظيت بمشاركة القاضي جبران، بدبّوس رئيس نادي روتاري ستيلا مارس حيفا – الذي أنشئ بمبادرة القاضي جبران – في قاعة بلدية حيفا اليوم، وهي المحكمة المركزية منذ نحو 30 عامًا. كشخص أراد السير في الطريق الذي مهّده القاضي جبران، كرّست نفسي بالكامل لقيم الروتاري – "خدمة الآخر فوق الفرد" – حتى تمّ انتخابي لمنصب العميد القادم للروتاري (2025-2026).

لقد رحل عنا القاضي جبران، لكنه ترك بصمة واضحة وفريدة في المجتمع الإسرائيلي عامّة وفي عالم القانون خاصّة: كان صوته دائم الوضوح. لا شك بأن رحيله ترك فراغًا كبيرًا، لكني أجد التعزية في أن هذا الفراغ مليء بالكمال والخير والجمال الذي اتّبعه في حياته. لو أنه لا يزال على قيد الحياة، لاتصل بالتأكيد بعد نشر هذه المقالة، وقال بصوته الدافئ الهادئ الباسم: «شكرًا لك». لكن الحقيقة هي أنه يتوجّب عليّ أنا أن أشكره، فنحن جميعًا في المجتمع الإسرائيلي مدينون له بالشكر. وسيعلمنا التاريخ فصولاً كاملة عن مساهمته في المجتمع والقانون في إسرائيل.

فليتبارك ذكره ولتكن راحته الأبدية في الجنة.

مقالات متعلقة